هيئة النزاهة تستحدث التحقيق المالي الموازي لاسترداد الأموال المنهوبة

اتخذت هيئة النزاهة الاتحادية خطوة مهمة في مكافحة الفساد تجاوزت بها الأطر التقليدية. استحدثت الهيئة تشكيلاً جديداً يُسمى “التحقيق المالي الموازي” في جميع مديرياتها ومكاتبها في بغداد والمحافظات.
كتب الدكتور محمد علي اللامي، رئيس هيئة النزاهة الاتحادية، مقالاً مفصلاً حول هذا التطور الجديد. أوضح اللامي أن هذا التحول ليس مجرد إجراء إداري عادي. وإنما يمثل تجسيداً لوعي مؤسساتي متقدم يدرك أن العقوبة السالبة للحرية لم تعد كافية وحدها لردع جرائم الفساد. لذلك يجب أن يرافقها استرداد حقيقي لمتحصلات الجريمة وإعادتها إلى الخزينة العامة.
استندت فلسفة الهيئة في استحداث هذا التشكيل الجديد إلى حقيقة أساسية. تنطلق من أن جرائم الفساد كالسرقة والاختلاس والرشوة هي جرائم مالية بالدرجة الأساس. وبالتالي، فإن الاكتفاء بإيداع مرتكبيها خلف القضبان دون وضع اليد على الأموال المهربة أو المخفية يجعل إجراءات الردع منقوصة الجدوى.
أكد رئيس هيئة النزاهة أن هذه الخطوة تأتي استجابة للمعايير الدولية. نجاح الدول في تقييمات المنظمات الدولية مثل مجموعة العمل المالي أصبح مرهوناً بمدى فعالية تحقيقاتها المالية الموازية. كما يعتمد على قدرتها على تعقب الأموال واستردادها بشكل فعال.
تتمثل المهام الجوهرية للتشكيل الجديد في إجراء تحقيقات مالية معمقة بالتزامن مع التحقيق الجنائي التقليدي. بينما يركز المحقق الجنائي على إثبات الجرم وتحديد الجاني، ينبري المحقق المالي لمهام أخرى متخصصة. يستخدم تقنيات متطورة لتشريح الهيكل المالي للجريمة. كما يحدد الشبكات المتورطة ويصنف الأموال سواء كانت نقدية أم مصرفية أم افتراضية.
أدركت الهيئة أن هذا التوجه يتطلب ملاكات تتمتع بمهارات استثنائية. يجب أن تجمع هذه الكوادر بين المعرفة بالقانون الجنائي وأصول المحاكمات. إضافة إلى الخبرة العميقة في علوم المحاسبة والتدقيق وفهم نظم الرقابة الداخلية.
لفت اللامي إلى أن المحقق المالي لا ينظر للأرقام كبيانات جامدة. وإنما يتعامل معها كأدلة حية تكشف السلوك الجرمي. كذلك تفضح العمليات غير الشرعية من خلال التدقيق التشريحي المفصل.
ختم رئيس هيئة النزاهة مقاله بالتأكيد على أن استحداث أقسام التحقيق المالي الموازي يمثل قفزة نوعية. يتضمن هذا التطوير التنسيق الوثيق بين دائرتي التحقيقات والوقاية والدوائر الأخرى المعنية. هدف هذا التنسيق تنفيذ القرارات القضائية ومتابعة المعلومات ميدانياً بشكل فعال.
أوضح أن هذه الخطوة تمثل بداية عهد جديد من الرقابة. عهد لا ينجو فيه الفاسد بجريمته، ولا تضيع أموال الشعب بين دهاليز التمويه المالي. إنها رسالة واضحة مفادها أن المساءلة تبدأ بالعقاب وتكتمل باستعادة الأموال المسلوبة إلى خزينة الدولة.





