ألفية الحوزة النجفية: مؤتمرات علمية توثق تراث قرن من التطور المعرفي

في إطار احتفاليات تكريم ألفية حوزة النجف الأشرف، نظمت الهيأة العليا لإحياء التراث التابعة للعتبة العباسية ندوة علمية متخصصة. عقدت الفعالية يوم الخميس في معرض بغداد الدولي للكتاب. جاء عنوان الندوة: “العطاء العلمي والمعرفي لحوزة النجف الأشرف عبر ألف عام”.
لذلك، قدمت الندوة ورقتين بحثيتين شاملتين تتناولان جوانب مختلفة. ركزت كلاهما على تاريخ الحوزة العلمية وجذورها العميقة. علاوة على ذلك، تناولتا الارتباط المعرفي الوثيق بين النجف الأشرف وبغداد عبر القرون.
الورقة الأولى: جهود الهيأة التحضيرية
اهتمت الورقة الأولى بالاستعدادات الجسيمة التي تقودها الهيأة. قدمها الباحث السيد عبد الحكيم الصافي بخبرة وعمق. استعرضت الاستعدادات لمؤتمر ألفية حوزة النجف الأشرف الكبير والمرتقب. إضافة إلى ذلك، يأتي هذا المؤتمر تكريمًا لمرور ألف عام على وصول شيخ الطائفة الشيخ الطوسي إلى المدينة المقدسة. أسس الطوسي مدرسته العلمية الشهيرة هناك.
تسير الهيأة في عملها وفق أربعة اتجاهات أساسية واضحة ومدروسة. الاتجاه الأول يركز على التأليف والإنتاج العلمي المتميز. بالإضافة إلى ذلك، تتولى الهيأة تحقيق تراث العلماء البارزين والأعلام من أهل النجف. كذلك تعكف على جمع وتوثيق إرث شيخ الطائفة نفسه بعناية فائقة. أخيرًا، تنظم سلسلة متواصلة من الندوات والمؤتمرات العلمية المتنوعة.
في سياق هذا التوجه الشامل والمتكامل، عقدت الهيأة مؤتمرها الدولي التمهيدي الأول. كان مخصصًا لدراسة تراث الشيخ الطوسي وإسهاماته العظيمة. من ناحية أخرى، تجري الهيأة التحضيرات الآن لعقد مؤتمر تمهيدي ثانٍ في الشهر العاشر من السنة الحالية. وبذلك يتبعه مؤتمر تمهيدي ثالث في مرحلة لاحقة.
بالتوازي مع ذلك، تنظم الهيأة سلسلة متكاملة من الندوات المتخصصة والفعاليات المرتبطة. هذه الندوات تمثل خطوات تحضيرية مهمة نحو الحدث الأكبر والأشمل. لذلك سيعلن لاحقًا عن الموعد المحدد لمؤتمر ألفية حوزة النجف الأشرف الرئيس والمنتظر.
يسهم مركز تراث البصرة التابع للهيأة بدور فاعل وأساسي في هذه المرحلة المهمة. يشارك المركز عبر عدة نشاطات متنوعة وفعّالة في الميدان. تشمل أنشطته التأليف المتقن والتحقيق العلمي الدقيق للنصوص. كما يقوم بنشر مجلات متخصصة ذات قيمة علمية عالية ومعترف بها. علاوة على ذلك، يعد المركز مؤتمرًا دوليًّا خاصًا به. ينظم أيضًا ندوات تمهيدية مشتركة بين البصرة والنجف الأشرف.
الورقة الثانية: الصلات بين المدينتين
تناولت الورقة البحثية الثانية موضوعًا مختلفًا وجديدًا يستحق البحث العميق. قدمها الأستاذ الدكتور علي خضير حجي المتخصص والمعروف. اختارت الورقة عنوانًا معبرًا ودالًا: “الصلات العلمية والمعرفية بين مدينتي بغداد والنجف”. أضاءت الورقة على عمق الحوار الفكري والمعرفي بين المدينتين العظيمتين. وكشفت عن الإنجازات المشتركة التي أثمرتها هذه العلاقة الحضارية.
أكدت الورقة حقيقة تاريخية مهمة وجديرة بالاهتمام الجاد. الشيخ الطوسي كان نتاجًا طبيعيًّا لهذا التواصل الحضاري العميق والمستمر. درس الطوسي وتلقى علومه في بغداد أولًا قبل رحيله. في المقابل، عندما انتقل إلى النجف الأشرف لاحقًا، أسهم بفعالية واضحة في رفع مستوى حوزتها العلمي. عمل على تأسيس مدرسته الكبرى الشهيرة هناك.
استعرضت الورقة ظاهرة اجتماعية وثقافية لافتة للنظر وتستحق الدراسة. هاجرت عدة أسر من بغداد إلى النجف الأشرف عبر التاريخ. كانت هجرتهم بحثًا عن العلم والمعرفة والاستزادة منهما. من هذه الأسر البارزة والمعروفة آل الوندي وآل يس. كذلك هاجرت آل الكاظمي وآل الصدر وعائلات أخرى معروفة وحسيبة. منها أيضًا آل العطار وآل الحيدري وآل القاموسي وآل كبة.
بحثت الورقة أيضًا في الروابط العلمية والأدبية الوثيقة والعميقة بين المدينتين الكبريين. وقفت عند نماذج حية وملموسة من العلماء والأدباء البارزين. أظهرت كيف ساهم هؤلاء الأعلام في توثيق الصلات الحضارية بين البيئتين المختلفتين. أبرزوا دور التفاعل المستمر في غنى الحياة الثقافية والفكرية المشتركة.
خلصت الورقة إلى نتيجة ذات أهمية حقيقية وعميقة وبعيدة الأثر. هذا التواصل المتعدد الأبعاد والمستويات مثّل منبعًا أساسيًّا وحيويًّا لا يُنكر. ساهم بقوة ملموسة في نمو وازدهار الحركة العلمية والأدبية الشاملة. أسهم أيضًا في تعزيز الموقع الحضاري والثقافي لكل من النجف الأشرف وبغداد على السواء.





