السيد منير الخبّاز: حوار الأجيال ضرورة دينية لمواكبة التحولات العصرية

شدد الأستاذ في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف، السيد منير الخبّاز، على أهمية تطوير لغة الخطاب الديني لتواكب التحولات الثقافية والتقنية، شرط ألا يمس ذلك المبادئ والتشريعات والقيم الثابتة.
وجاء ذلك خلال مشاركته في برنامج «حوار الجيل» بحضور مجموعة من الشباب. ورأى أن العلاقة بين المؤسسة الدينية والجيل الشاب ينبغي أن تقوم على التكامل المتبادل. فالشباب يستفيدون من المعارف الدينية، بينما يستفيد رجال الدين من تجارب الشباب وأفكارهم وخبراتهم بالواقع الاجتماعي سريع التغير.
التواصل بين الشباب ورجال الدين
أوضح الخبّاز أنه «لا يمكن أن ينتشر الدين من دون تواصل بين الشاب ورجل الدين، وبين المؤسسة الدينية والجيل الشبابي». ولفت إلى أن الخطاب المناسب قبل سنوات قد لا يكون كافياً اليوم. والسبب يعود إلى تسارع التحولات الفكرية والاجتماعية والرقمية.
وكشف عن استعانته بفريق من الشباب الواعين والخبراء، للرجوع إليهم في فهم الأفكار والقضايا المستجدة. وأكد أن المؤسسة الدينية مطالبة بقراءة الأطروحات الجديدة ودراسة المشكلات بدقة، قبل تقديم المعالجات الدينية المناسبة.
مبادئ ثابتة وخطاب متجدد
يرى الخبّاز أن فلسفة الحياة التي يقدمها الدين ثابتة، بينما تتغير الحياة المادية والثقافات والحاجات الاجتماعية. وهذا يستدعي خطاباً دينياً يواكب تلك المتغيرات.
وأوضح أن التجديد المطلوب لا يعني تغيير الدين. قال: «الدين مبادئ ثابتة، والذي يتغير هو لغة الخطاب وطبيعة العلاقة بين المؤسسة الدينية والمجتمع». وأضاف أن التغيير يحدث في المجال التنظيمي وأساليب العرض والتواصل، وليس في المجال التشريعي أو القيمي.
ودعا الشعراء إلى صياغة نتاجهم بلغة عصرية. كما طلب من الخطباء والمحاضرين اعتماد لغة ثقافية تخاطب عقول الناس. وأكد أن رجل الدين الذي يدرك مسؤوليته سيكون منفتحاً على أسئلة الشباب ونقدهم وإشكالاتهم، بما في ذلك أسئلة غير المتدينين.
وقال إن المؤسسة الدينية ينبغي أن تنفتح «على كل الشباب، حتى الشاب غير المتدين». وأشار إلى أن عليها احتضانهم ومحاولة إرشادهم بدلاً من إقصائهم بسبب أسئلتهم.
وأشار إلى وصايا المرجعية الدينية العليا لخطباء المنبر الحسيني. وأوضح أن هذه الوصايا أكدت أهمية الانفتاح واستخدام اللغة الجذابة، ووعي رجل الدين بالأفكار والمشكلات المتداولة في المجتمع.
ثلاثة أركان للدين وثلاث حاجات إنسانية
عرّف الخبّاز الدين بأنه بناء يقوم على ثلاثة أركان: العقيدة والقانون والقيم الأخلاقية. ورفض اختزاله في العبادات والمظاهر الدينية وحدها.
وبيّن أن حاجة الإنسان إلى الدين تنبع من ثلاث جهات رئيسية: الحاجة إلى فلسفة تفسر مبدأ الحياة وغايتها، والحاجة إلى الأمن النفسي، والحاجة إلى الرجوع إلى جوهره الإنساني المتمثل في القيم الأخلاقية.
وأوضح أن التخصصات الأكاديمية لا تقدم وحدها إجابات عن الأسئلة الوجودية. ورأى أن الدين هو الذي يقدم إطاراً شاملاً للإجابة عن هذه الأسئلة، ويحدد السلوك الفردي والنظام الاجتماعي.
وأضاف أن رؤية الدين للإنسان بصفته خليفة وأميناً، وليس مالكاً أصيلاً للكون، تنعكس على طريقة إدارة المال العام. فالثروات تدار بمنطق الأمانة والمصلحة الاجتماعية، لا بمنطق الاستئثار والاحتكار.
واعتبر أن تسليم ثروات المجتمع إلى حكام فاسدين يندرج ضمن تسليم الأموال إلى السفهاء. وأوضح أن المقصود ليس حرمان المحتاج السفيه من نفقته، بل عدم وضع إدارة المال في يد من يُبدّده.
التدين الواعي في مواجهة الأزمات
قال الخبّاز إن بعض الشباب ينفرون من الدين عند التعرض لأزمات نفسية. والسبب أنهم تلقوه بصورة سطحية، واختزلوه في الصلاة والصيام والحج، من دون إدراك أبعاده الروحية والأخلاقية والوجودية.
وأضاف أن العبادات من دعائم الدين لكنها ليست غايته النهائية. وأوضح أن الصلاة الواعية تنتج الخشوع والارتباط بالله والانتهاء عن الفحشاء والمنكر.
واعتبر أن قراءة الدين بعمق وواقعية تدفع الإنسان إلى اللجوء إليه عند الصدمات بدلاً من الابتعاد عنه. ولفت إلى أن الرزق لا يقتصر على المال، بل يشمل الطمأنينة والاستقرار النفسي.
وأكد أن الارتباط بالله لا يمنع الابتلاءات الصحية أو المالية أو الأسرية. لكنه يغير طريقة النظر إليها. فرؤية الإنسان المؤمن تجعلها محطات لتمحيص الإرادة والصبر والتكامل الروحي، وليس انهياراً نهائياً.
وربط الشعور بالأمن النفسي بالشعور بالانتماء. وأوضح أن الانتماءات إلى الوطن أو الأسرة أو الثروة قد تكون مؤقتة، بينما يوفر الانتماء إلى الله سنداً أعمق وأكثر استقراراً في مواجهة الفقد والأزمات.
التأمل والتعلم واستخدام العقل
حدد الخبّاز ثلاثة معالم للتدين الواعي: قراءة الكون والإنسان بوصفهما دالّين على الخالق، والتعلم المستمر، واستخدام العقل في التحليل والتفكير.
ودعا الشباب إلى تحويل تخصصاتهم الأكاديمية — كالطب والفيزياء وعلم النفس — إلى مجالات للتأمل في قوانين الإنسان والكون. بدلاً من الفصل بين المعرفة العلمية والأسئلة الدينية.
كما حثّهم على تخصيص وقت منتظم للتأمل ولو ساعة أسبوعياً، وقراءة الأدعية والآيات بصورة واعية. وأكد أن الاستغراق الكامل في العمل أو الدراسة يحرم الإنسان من مراجعة ذاته.
وقال إن الوصول إلى التدين الواعي يحتاج إلى إرادة وسعي وتعلم، سواء عبر دراسة الدين أو الاستماع إلى المحاضرات أو الحوار مع العلماء أو المشاركة في الأنشطة الشبابية الدينية.
وأضاف أن الدين لا يحارب رغبات الإنسان، بل يضع لها أطراً وقوانين تنظم كيفية إشباعها. ودعا الشباب إلى عدم الانقياد وراء الرغبات والترندات من دون غاية أو ضابط.
تحذير من «سجن الخوارزميات»
حذّر الخبّاز من تلقي المحتوى الرقمي بطريقة سلبية. واعتبر أن الانتقال المتواصل بين المقاطع لساعات طويلة يجعل المستخدم مجرد متلقٍ، من دون وعي بالأهداف والرسائل الكامنة.
ودعا الشباب إلى التوقف بعد مشاهدة كل مادة رقمية. وطرح أسئلة عن مصدرها وهدفها ومغزاها. قال: «مبدأ الوعي هو السؤال».
وأضاف أن على المستخدم ألا يكتفي بجمال المقطع، بل يسأل عن غاية النشر والرسالة والآثار المرجوة في الجمهور.
ووصف الهاتف المحمول بأنه منفذ للأخبار المشوهة والدعايات المضللة. ورأى أن مواجهة هذا المحتوى تقوم على التحليل والتأمل، والاستعانة بأشخاص موثوقين.
ونصح الشباب بعرض المقاطع الملتبسة على أصدقاء واعين أو خبراء موثوقين، ومناقشة دلالاتها بدلاً من إعادة نشرها من دون فحص.
مسؤولية الشعراء والرواديد
قال الخبّاز إن خطاب الرادود والشاعر قد يكون أشد تأثيراً من خطاب المحاضر. فهو يخاطب العاطفة والمشاعر، وتحديداً لدى الفئة العمرية بين 15 و35 عاماً.
وأوضح أن هذه القدرة على الاستقطاب تضع مسؤولية كبيرة على الشاعر والرادود. فقد أصبحا في موقع الواجهة الدينية والجذب إلى الدين.
ودعا الشعراء إلى تحري صحة المضامين العقدية والتاريخية في القصائد. وعدم أخذها من القصص المتداولة أو الروايات التي لا يقبلها العلماء، لمجرد البحث عن مادة جديدة.
وقال إن القول بأن «المهم أن يأتي الشاعر بشيء جديد ولو على حساب الأفكار الصحيحة» يمثل نهجاً خاطئاً. ودعا من لا يمتلك المعرفة إلى التعلم وسؤال العلماء.
كما دعا الرواديد إلى اختيار اللحن الشجي الحزين الذي ينسجم مع الشعائر الحسينية. والابتعاد عن ألحان مجالس اللهو والطرب.
وحذّر من استنساخ ألحان المغنين، أو تحويل الموسم الديني إلى تنافس على الشهرة. ورأى أن السعي إلى الألقاب والانتشار على حساب مبادئ الإمام الحسين طلب للدنيا لا للآخرة.
وأكد أن معيار تقييم أداء الرادود هو خروج المتلقي من المجلس بشعور روحي، وليس بنشوة المهرجانات الغنائية.
الأخلاق لا تنفصل عن الدين
رفض الخبّاز مقولة إن المهم أن يكون الإنسان حسن الأخلاق ولو لم يكن متديناً. ورأى أنها تقوم على اختزال الدين في العبادات، بينما الأخلاق أحد أركانه الأساسية.
أوضح أن القيم — كالعدالة والصدق والأمانة والخير والرحمة — مغروسة في فطرة الإنسان. لكنها تحتاج إلى الدين ليكملها ويحميها، ويمنح الإنسان دافعاً للثبات عليها.
وأضاف أن الأخلاق المجردة قد تنهار عند تعارضها مع المصالح الشخصية. بينما يوفر الإيمان بالجزاء الأخروي حافزاً للالتزام الأخلاقي حتى من دون منفعة مادية مباشرة.
ورأى أن سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) تمثل نموذجاً لعدم الانفصال بين الدين والأخلاق. فقد منحه ارتباطه بالله القدرة على الصبر والثبات أمام الإساءات والحصار.
الأمر بالمعروف بالسلوك لا بالكلام وحده
ميَّز الخبّاز بين من يقع في معصية بسبب الضعف، وبين من يتخذها سلوكاً دائماً ولا يبالي بها. وأوضح أن الأول يحتاج إلى الإصلاح والتقويم، بينما ينبغي إظهار عدم القبول بسلوك المصرّ.
وأكد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصران على الوعظ اللفظي. بل قد يتحققان بالفعل والقدوة الحسنة، كاصطحاب الشخص إلى المسجد أو إظهار الالتزام أمامه.
الإمامة والسياسة ضمن الرؤية الشاملة للدين
قال الخبّاز إن الإمامة لم تبدأ مع الإسلام، بل كانت موجودة في الشرائع السابقة. واستشهد بإمامة إبراهيم وقيادة موسى وعيسى ووصاية هارون. ورأى أن الإمامة والوصاية مبدآن سماويان ملازمان للنبوة.
وفي رده على دعوى فصل الدين عن السياسة، رأى أن الدين يقدم رؤية شاملة للحياة تشمل قوانين التعليم والصحة وإدارة الدولة. وأضاف أن الإسلام يقدم النبي رسولاً وقائداً، وعلياً إماماً وقائداً. فالقيادة وإدارة الشأن العام تدخلان ضمن المفاهيم الدينية الإسلامية.
واختتم بالتأكيد أن المؤسسة الدينية مطالبة بمتابعة التحولات المتسارعة والاستماع إلى تجارب الشباب. والانفتاح على الأسئلة الجديدة، بما يمكنها من تقديم خطاب يفهم الواقع ويضع المعالجة الدينية في موضعها المناسب.





