الحق والباطل في منظور آية الله اليعقوبي: لماذا يرفضه الأكثرية؟

في يوم عيد الفطر، ألقى سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي خطبة صلاة العيد في مكتبه بالنجف الأشرف. كان الحضور جمعاً من المؤمنين، حيث وضّح لسماحتهم أهمية الحق والعدل في حياة الإنسان. تناول الشيخ في خطبته مفهوم الحق ومعاناته من الكره والمقاومة من قبل الأغلبية، مستشهداً بآيات قرآنية وروايات شريفة. أكد أن الحق قيمة ثابتة وعميقة تشمل العبادات، الأفعال اليومية، والمواقف الحياتية. لكن للأسف، الحق يتواجه دائماً مع رفض وسائل الناس التي تحكمها الأهواء والمصالح الذاتية.
سماحته استشهد بآيات من القرآن الكريم لتوضيح مكانة الحق، مثل قوله تعالى:
{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (المؤمنون:70)
وقوله أيضًا:
{لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (الزخرف:78).
أوضح الشيخ أن الحق لا يعني مجرد حقيقة، بل يتضمن الثبات والاستحكام. الحق هو كيان يلخص الصفات الإلهية مثل العدل والإحسان. أكد سماحته أن الحق يتجسد ثباته من عدة أوجه. أولاً، يتناقض الحق مع الباطل، كما يظهر في قوله {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ}. ثانياً، الحق هو نقيض للضلال، مما اتضح في قوله {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}. أضاف سماحته أن الله سبحانه وتعالى وصفه القرآن بالمطلق، كما جاء في قوله {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}.
الله هو المصدر الأعظم للحق، والوحي الذي أنزله حق مطلق. قوانينه وكل ما أمر الناس باتباعه حق. وما يخالف هذه المبادئ فهو ضلال وزيف. سماحته ذكر أن مواجهة الحق لواقع الناس تظهر في كيفية تجنبهم له. دعتهم مصالحهم إلى تركه والتوجه نحو الضلال.
في سياق هذا الواقع، أشار الشيخ إلى موقف القرآن من أغلب الناس. وصف تلك الحقيقة المؤلمة بآياته مثل: “ولكن أكثر الناس لا يشكرون” أو “لكن أكثرهم للحق كارهون”. بيّن الله بوضوح أن الحق غالباً ما يسير مع قلة المؤمنين مقابل الأكثرية التي تميل للمصالح الذاتية.
سماحته قال إن أسباب مقاومة الناس للحق يعود لأمرين أساسيين. أولاً، رغبتهم في دين يتوافق مع أهواء أنفسهم يحفظ مكاسبهم المادية والاجتماعية. وهذا بدوره يناقض أهداف الحق الإلهي. ووضّح هذا المعنى بقول الله عز وجل: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ}. ثانياً، أشار إلى الحسد كدافع نفسي آخر لعداء الحق وأصحابه. هذا الحسد يدفع الناس إلى رفض كل ما يعاكس أهواءهم أو يتطلّب منهم التنازل عن السلطة والجاه.
ما يثير الأسى، كما أوضح الشيخ اليعقوبي، أن هذه الطبيعة السلبية تجاه الحق ليست جديدة. بل هي ظاهرة متكررة بين الأمم والشعوب. المصطلح الذي استخدمه القرآن لتفسير رفض الناس للحق ينبع دائما من أوصاف مثل كره أو عزوف عن الصواب.
سماحة الشيخ أكد أن التجسيد الأوضح للحق في الإسلام هو شخص النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). استند على تفسير قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ}، مشيراً إلى الروايات التي تربط الآية بولاية أمير المؤمنين.
سماحته وضّح أن الشيعة الذين التزموا بولاية أمير المؤمنين هم من أبرز الأمثلة الذين تمسكوا بالحق على مرّ العصور. وبالرغم من ذلك، دفعوا ثمناً باهظاً نتيجة ذلك التمسك. عبر التاريخ، واجه الشيعة اضطهاداً دموياً وتم التخلي عن حقوقهم باستمرار بسبب رفض الأغلبية للحق الذي يحمله أهل البيت وشيعتهم.
اختتم سماحتُه خطبته بتأكيد أهمية الثبات في مواجهة الباطل والكثرة التي تعارض الحق. ذكر حديث الإمام علي (عليه السلام): “لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه.” وأوضح أن الإصرار على طريق الحق يتطلب صبراً وإيماناً، لأن وجود كثرة الأعداء أحياناً دليل على النجاح وليس الفشل.
سماحة الشيخ قال إن العاملين بالرسالة يجب ألا يهابوا أعداءهم ولا يشعروا بالضغط بسبب كثرة المعارضين. بل ينبغي عليهم الاستمرار في نصرة الدين وقضايا الحق. كما حذر من خطورة التجاوز على أهل الحق أو التوقف عن مساندته. خذلان الحق، كما أوضح، يؤدي إلى نصرة الباطل بشكل غير مباشر.
ذكر سماحته أن هذا الصراع بين الحق والباطل ليس حكراً على عصر النبي، بل هو سنة تجري في تاريخ الإنسانية كلها. في هذا السياق، استشهد بقوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون}. وأكد أن الأمل في الهداية سيظل موجوداً، حيث إن الأغلبية ليست وصفاً شاملاً لكل الناس. القلة، كما أشار، تبقى دائماً مع الحق لأنها تحافظ على نقاء فطرتها وإيمانها بالمبادئ الإلهية.
في ختام خطبته، دعا الناس للتحلي بالشجاعة والإصرار. وأكد أن الوقوف مع الحق لطالما كان علامة الإيمان الحقيقي.














